فن وثقافة

نبى الله يعقوب ” الجزء الرابع “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع نبى الله يعقوب عليه السلام، وقد توقفنا عندما طلب نبى الله يعقوب عليه السلام من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله، فقال له خاله إنى قد بورك لى بسببك، فسلنى من مالى ما شئت، فقال له تعطينى كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع، وكل حمل ملمع أبيض بسواد، وكل أملح ببياض، وكل أجلح أبيض من المعز، فقال له نعم، فعمد بنوه فأبرزوا من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس، لئلا يولد شيء من الحملان على هذه الصفات، وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم، قالوا، فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز ولب، فكان يقشرها بلقا، وينصبها فى مساقى الغنم من المياه، لينظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها فى بطونها، فتصير ألوان حملانها كذلك، وهذا يكون من باب خوارق العادات، وينتظم فى سلك المعجزات، فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة، ودواب وعبيد، وتغير له وجه خاله وبنيه، وكأنهم انحصروا منه، وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه، ووعده بأن يكون معه، فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته، فتحمل بأهله وماله، وسرقت راحيل أصنام أبيها، فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه.

فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه فى خروجه بغير علمه، وهلا أعلمه فيخرجهم فى فرح ومزاهر وطبول، وحتى يودع بناته وأولادهن، ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند يعقوب عليه السلام علم من أصنامه، فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش، فلم يجد شيئا، وكانت راحيل قد جعلتهن فى بردعة الحمل وهى تحتها، فلم تقم واعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهن، فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد، على أنه لا يهبن بناته، ولا يتزوج عليهن، ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخرة، لا لابان، ولا يعقوب، وعملا طعاما، وأكل القوم معهم، وتودع كل منهما من الآخر، وتفارقوا راجعين إلى بلادهم، فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير، تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم، وبعث يعقوب عليه السلام البرد إلى أخيه العيصو يترفق له، ويتواضع له، فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك فى أربعمائة راجل، فخشى يعقوب عليه السلام من ذلك، ودعا الله عز وجل وصلى له، وتضرع إليه، وتمسكن لديه، وناشده عهده ووعده الذى وعده به، وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص، وأعد لأخيه هدية عظيمة، وهى مائتا شاة وعشرون تيسا، ومائتا نعجة، وعشرون كبشا، وثلاثون لقحة، وأربعون بقرة.

وعشرة من الثيران، وعشرون أتانا، وعشرة من الحمر، وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الأصناف وحده، ليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة، فإذا لقيهم العيص فقال للأول لمن أنت، ولمن هذه معك؟ فليقل له لعبدك يعقوب، أهداها لسيدى العيص، وليقل الذى بعده كذلك، وكذا الذى بعده، ويقول كل منهم وهو جائى بعدنا، وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الأحد عشر، وبعد الكل بليلتين، وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا، فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية، تبدا له ملك من الملائكة فى صورة رجل، فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه، فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب، فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك؟ قال له يعقوب، فقال له لا ينبغى أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل، فقال له يعقوب عليه السلام، ومن أنت، وما اسمك؟ فذهب عنه، فعلم أنه ملك من الملائكة، وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله، فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء، ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل فى أربعمائة راجل، فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص، سجد له سبع مرات، وكانت هذه تحيتهم فى ذلك الزمان، وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له، وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له.

فلما رآه العيص تقدم إليه واحتضنه، وقبله وبكى، ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان، فقال له من أين لك هؤلاء؟ فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك، فدنت الأمتان وبنوهما فسجدوا له، ودنت ليا وبنوها فسجدوا له، ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له، وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها، ورجع العيص فتقدم أمامه، ولحقه يعقوب بأهله، وما معه من الأنعام، والمواشي، والعبيد قاصدين جبال ساعير، وإن قصة يعقوب عليه السلام، من القصص التي ذُكرت في القرآن الكريم، وقد وصل يعقوب إلى أبيه إسحاق عليهما السلام في أرض كنعان حيث كان يسكن أيضا نبى الله إبراهيم عليه السلام، وأقام عنده، ثم ما لبث أن مرض نبى الله إسحاق ومات، والجدير بالذكر أن لأبناء يعقوب عليه السلام له مع أبنائه وابنه يوسف عليه السلام، قصة شهيرة، وهي قصة يوسف عليه السلام، وقد ذُكر أن يعقوب عليه السلام لحق بربه وعمره مائة وسبعة وأربعون عاما وتتضمن قصة نبى الله يعقوب عليه السلام، الكثير من العبر، ويتركز الجزء الأكبر من هذه العبر في قصته مع ابنه يوسف عليه السلام، إذ إن يوسف رأى رؤيا، فأوصاه أبوه يعقوب بأن لا يقصصها على إخوته، وتوالت الكثير من الأحداث التي تُعرف بقصة يوسف.

وهذه العبر تتضمن بيان محبة الأبناء، وكيف أن يعقوب عليه السلام، ميّز يوسف عن إخوته لأنه توسم فيه صفات النبوة والخير، وكان هذا التمييز قلبيا، وتتضمّن بيان توخي الحيطة والحذر، خصوصا الخوف من الحسد وعيون الناس، وكيف أن نبى الله يعقوب عليه السلام، حذر أبناءه من الدخول من باب واحد، بل أن يدخلوا من أبواب متفرقة حتى لا ينظر أحد إليهم بعين الحسد، وكذلك تتضمّن دروسا في الصبر، وكيف صبر يعقوب عليه السلام، على البلاء، وكيف أنه ظل يقينه بالله كبيرا بأن ابنه يوسف سيعود إليه، وإن يعقوب أو ياكوف بالعبريه ومعناه هو ماسك كعب القدم، ويُعرف أيضاً بإسرائيل أي أو مصارع الله، حسب القصة الواردة في سفر التكوين رقم اثنين وثلاثين عندما صارع يعقوب الملك دون أن يدري، وقد كان ليعقوب دور رئيسي في الأحداث الأخيرة من سفر التكوين في العهد القديم، وقد ولد لنبى الله إسحاق وزوجته رفقة، عيسو ويعقوب بعد عشرين سنة زواج، حيث كان إسحاق ستين من العمر، وكان الخليل إبراهيم عليه السلام مائة وستين من العمر، ويختلف يعقوب عن أخيه عيسو بالمظهر والتصرفات، فأخوه عيسو كان صياد، بينما كان يعقوب رجل يسكن الخيام، وقيل أنه عندما كانت رفقة حاملا.

كان الطفلان يتصارعان مع بعضهما في داخل رحمها وخوفا من هذه الحركة، فقد سألت رفقة الله عن سببها، بعدها عرفت أنها حامل بطفلين، وأنهم سيؤسسان أمتين مختلفتين، ويكونان دائما في تنافس وفي الحقيقة الأكبر سيخدم الأصغر، لم تخبر رفقة زوجها إسحاق بذلك بل احتفظت بذلك في قلبها، وكان عيسو أول من ولد، وولد أخوه يعقوب وهو إسرائيل بعده مباشرة وكان يمسك بكعب قدم عيسو، ولذلك سمي ياكوف أي الكعب، وقد فضل نبى الله إسحاق ابنه عيسو ولكن الأم فضلت ابنها يعقوب، وخلال فترة شباب الأخوان، تم تَنشئتهما في نفس البيئة وتعرضوا لنفس الأشياء التي تعرض لها أبيهما إسحاق وجدهم الخليل إبراهيم عليه السلام، وفي يوم من الأيام، عاد عيسو من الحقل وكان جائعا جدا، فانتهز يعقوب هذا الموقف وعرض على عيسو صحن من الحساء مقابل أن يبيعه عيسو بكوريته كونه الأخ الأكبر، وقد وافق عيسو وقال إني سأموت، فما نفع البكورية لي؟ وفي الحقيقة فإن تنازل عيسو عن بكوريته يدل على ازدراءه للتقاليد التي كانت لدى أبيه إسحاق، وفي كلمات الكتاب المقدس “وهكذا أحتقر عيسو امتيازات بكوريته” كما فى سفر التكوين، ومن مميزات البكورية هي مرتبة عليا في العائلة وقيمة مضاعفة من الورث.

ومنصب في العائلة، وأيضا البركة الإبراهيمية، كما جاء فى سفر التكوين، وكان اليهود يخصون الابن الأكبر سنا بالميراث كله سواء كان الميراث ماديا أو غير ذلك بما في ذلك النبوة والمُلك، وعلى هذا النحو كان عيسو الابن الأكبر لإسحاق هو الذي سيرث النبوة وكل شيء، ولكن السيدة رفقة، أم يعقوب خططت لتجعل ولدها يعقوب يستولي على هذا اللقب، وانتهزت فرصة أن عيسو خرج ليحضر الطعام إلى أبيه المكفوف ثم نفذت خطتها، وقد قيل أنه بعدما ودع يعقوب أخيه عيسو وذهب كل واحد منهما إلى سبيله، ارتحل يعقوب إِلى مكان دعا اسمه سكوت، أقام فيه وبنى لنفسه بيتا، وصنع لمواشيه مظلات وبعدها شد رحاله إلى مدينة شكيم قرب كنعان وعندما وصل حدود كنعان، كانت راحيل زوجته على وشك الولادة، فولدت الابن الأصغر ليعقوب الذي هو بنيامين وماتت، وبعدها قام يعقوب بدفنها وشيد صرحا لقبرها الذي يقع خارج بيت لحم، ولايزال قبرها مزارا ليومنا هذا وأخيرا وصل يعقوب إلى بيت أبيه إسحاق، فمات إسحاق وعمره مائه وثمانين عاما، وقام يعقوب وعيسو بدفنه فِي مغارة فى حقل المكقيلة المواجهة لممرا فى أرض كنعان التي كان الخليل إبراهيم عليه السلام قد اشتراها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق