الناقد الفني…رمانة الميزان_ بقلم _ أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد كتاب مصر

من الظواهر اللافتة للنظر .. أن نجد كل حين بعض الأمواج التي تطفو على سطح بحار الحياة الأدبية التي تحاول أن تسبح عكس التيار السائد على الساحة الثقافية سواء المصرية أو العربية؛ وذلك بإعادة السؤال المتكرر عن : هل أتى الإبداع أولاً أم سبقته بعض الإرهاصات النقدية ـ ولو ـ على سبيل المحاولات الشكلية ؟! وكأننا ندور في فلك الحلقة المفرغة ونهدر الوقت والجهد والعرق في الصدام بالمعارك الكلامية على سطور أعمدة الصفحات الأدبية في الصحف والمجلات؛ لمحاولة البحث عن إيجاد إجابة ناجعة للسؤال الساذج الأزلي عن : أيهما جاء إلى الوجود أولا : البيضة أم الدجاجة ؟! والحقيقة التي لامراء فيها؛ أن البحث والتقصي في هذا الاتجاه يفضي بنا إلى أن “النقد” و”الأدب ” صنوان أو توأمان مزدوجان ملتصقان إلى الحد الذي لايصح أحدهما من دون الأخر، ,صار الإبداع في أشد الحاجة إلى ان يتوقف النقد معه طويلاﹰ؛ فقد أصبحا في جدليـة دائمة ومستمرة بكل النشاط العقلي والذهني والجمالي، والذائقة الجمالية في تطور وتحدٍ مستمر مع القواعد ـ شبه الثابتة ـ القائمة للتغيير والإنطلاق إلى الأفضل . ولابد أن تواكبه النظرة النقدية المحايدة أو التي تنحاز إلى الإضاءة على الجوانب التي لم يرها المبدع قبل وأثناء وبعد عملية “الخلق “لإبداعه .. وأرى ـ بعين المتابعة للساحة الأدبية ومجادلات البعض بنظرة دينية ـ أن هناك بعض الذين قد يستهجنون استخدامي لكلمة ( الخلق ) و ـ حاشا ـ !؛ أليس الإبداع هو محاولة إيجاد شيء جميل من العدم؟ بلى .. بالتأكيد ! وأنا ـ في الحقيقة ـ ضد مقولة : إن عملية النقد إبداعٌ موازٍ .. ولكنني أرى انه استنطاق لمضمون ومحتوى النص ـ من الناقد ـ لما قد يكون خافيًا ـ كما أوردت ـ عن ذهن المبدع أثناء تدوينه لأفكاره . وهنا أيضًا .. لابد لى من وقفةمحايدة ـ قدر الإمكان ـ ضد المقولة التي يرددها بعض المغرضين على الساحة_والغرض مرض كما تعلمون_ : “إن الناقد مُبدع فاشل”! أي أنه فاشل في مجالات الكتابة الإبداعية من رواية وقصة وشعر وغير ذلك ، لأقول كلمتي للتوثيق العلمي : إن الناقد مبدعُ في مجاله ! وقد نصطدم بمن يحاول أن يقول : إن الإبداع فـي حد ذاتـه يحمل عناصر النقد في طياته وإنه معجونٌ في سطوره أيًا كان شكل الإبداع : نثرًا أو شعرًا أو قصصًا أو .. رواية، بما يقوم به المُبدع من محاولات تنقيح وتصحيح مابعد “فعل الكتابة الأصلية”؛ ويعد بعض الأساتذة من الأدباء ومحترفي النقد أن النظرة الأخيرة على العمل الأدبي ـ من المُبدع ـ هي محك الإبـداع الحقيقـي وأهـم مرحلة فيه . فهو يحمل نقدًا مرافقـًا مـن قبـل أن يؤسس علاقته بالنقـد أصـلاﹰ!! ولعلي ــ من وجهة نظري ــ أضيف للإنصاف : أن هناك بعض المبدعين لاينظرون البتة إلى العمل الفني بعد كتابة وتفريغ الدفقة المتوهجة الأولي على الورق ! وبناء عليه استقرت ـ في الأذهان ـ تلك النظريات المتعددة والمتباينة؛ مذ كانت الساحات الأدبية والثقافية تشرُف فيها المنصَّات باعتلائها أساطين وأفذاذ الأدب العربي أمثال ــ مع احترامي للألقاب والدرجات العلمية ــ الأساتذة : محمد مندور وأنور المعداوي وعبد القادر القط وعبد العزيز الأهواني وعبد الحميد يونس ….إلخ تلك الكوكبة العظيمة التي حفلت بها الحياة الأدبية المصرية والعربية . إن الساحة الثقافية المصرية ذاخرة بالعديد من الأقلام الجادة والمخلصة لإثراء الساحة الأدبية بكل جديد ينضاف إلى التراث العظيم لها؛ وأرى أن البعض يختلق المعارك الوهمية ؛ بمحاولة إطلاق قنبلة دخان مفادها : إنه ليس هناك نظرية نقدية مصرية أو عربية ! كيف .. وكل هؤلاء الأفذاذ في شتى العلوم تركوا لنا ـ سواء من غادروا عالمنا أو مازالوا يعيشون بين ظهرانينا ــ تراثًا ضخمًا اشتمل على كافة العلوم الأدبية في الشعر والأدب والقصة والرواية والمسرح والسينما ؛ فقط ينتظر من يغوص في أعماقه ليستخرج لنا من قلبه ” دررًا ” غابت عن أعين الكثيرين ممن يثرثرون ويملأون الساحة ضجيجًا عن ضحالة “النظرية النقدية ” المصرية والعربية؛ وحتى لانتعامل مع النظريات النقدية ( المعوْلبة ) التي تأتينا عبر الثقافات العالمية التي يحلو للبعض أن يتشدق بها دون فهم جاد للأبعاد التي تختلف مع/وعن واقعنا الأدبي والثقافي . ولعلنا بإيجاد وتوثيق النظريات النقدية الجادة؛ التي تستكشف أعماق وأهداف العمل الإبداعي بعيدًا عما يسمي بـ “النقد الانطباعي “؛ نقوم بتأصيل وتأكيد محصلة الذائقة الجمالية في النفس البشرية؛ واتساع رقعة هذه الذائقة لتشتمل في طياتها على كل الفنون الأدبية من شعر ونثر وقصة ورواية؛ ولتكون قطبًا جاذبًا لمن يحاولون السير على طريق الإبداع المائز الجاد؛ لإصلاح عيوب المجتمعات التي تراكمت عبر ــ بعض ــ سنوات ا التجريف الثقافية والسياسية التي ابتعدت بإبداعاتنا المصرية الأصيلة عن مسارها الذي أنشأته منذ فجر التاريخ . فأهلا بالنقد الجاد المثمر غير الهدام في كل زمان ومكان؛ فهو الضمير لكل عمل إبداعي يخرج إلى النور ورمانة الميزان التي تمسك بزمام الأمور حتى لا تخرج عن النسق البناء الذي يؤمل من ورائه خلق حالة إبداعية تتماهي مع مايطمح إليه دوما من تحقيق غايات الحق والخير والجمال في المجتمعات وخير منق للغرض ومايستتبعه من مرض فكلنا يريد السلامة .
الوسوم
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات