Take a fresh look at your lifestyle.

نجاة “الكبيرة” .. وسكاكين النقد !  ـــ بقلم _ د.إلهــام سيــف الدولــة حمــدان 

أستاذ العلوم اللغوية والتأليف والكتابة الإبداعية بأكاديمية الفنون ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي الأسبق وعضو اتحاد كتاب مصر

1٬677

 

نتفق جميعا أن الفنان فنان من المهد الى اللحد؛ ولكننا رأينا كيف شُحذت أقلام ـــ أقصد سكاكين ـــ النقاد؛ لإظهار ـــ القطط الفطسانة ــ عند المطربة الملقبة بـ” الضوء المسموع”؛ على خشبة مسرح احتفاليات المملكة السعودية؛ وقالوا : كيف تظهر بهذا الشكل وهي في منتصف الحلقة التاسعة من العمر؛ لتغني لجمهور الحاضرين من أصحاب الدشداشة والغُطرة والعقال؛ وتناسوا في هجومهم أن الفنان العالمي ” انتوني كوين ” قام بأداء رقصة زوربا بكل التمكن والرشاقة؛ وهو في نهاية الحلقة السابعة من العمر ؛ وتغافلوا عن الفنان المسرحي المتفرد نجيب الريحاني ــ قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بسويعات قليلة حين قام بالغناء ــ : علشانك انتِ انكوي بالنار والقَّــح جتتي؛ وخرج من عالمنا قبل أن تكتمل أحداث ” فيلم غزل البنات” ؛ مع المطربة والممثلة القديرة ليلى مراد .

وتناسوا أيضا أن الفنانة “نجاة الكبيرة ” سليلة البيت الفني؛ شدت في ستينيات القرن الماضي للأمل والحياة بكلمات الشاعر الكبير/صلاح جاهين : ” شبَّاك الأمل وفتحتُه .. والدنيا جناين تحتُه .. يادموعي خلاص ارتحتُوا من أول مابان “؛ واقتنصت لها مكانًا مائزًا بين كل من كنَّ ينتسبن إلى “نون النسوة” بين فنانات زمانهن.

وأخيرًا وقفت ـ بكل معاناة السنوات؛ وما تخللته من أحداث وحوادث المشوار الفني الصعب؛ لتشدو وتتغنى وتخبرنا ـ بكل النقاء والصفاء وحب الحياة ــ ؛ أنه مازالت : ” عيون القلب سهرانة .. مابتنامشي ” !

 

وما أجمل أن يكون للقلب هذه العيون المفتوحة على جسور نهر الحياة التي تهب للقلب الأنفاس؛ وتعطي له النبض الذي ينطق ويسبَّح بأقانيم الجمال؛ ولكنها أقلام الرصاص التي تهدف إلى معاملة الفنان معاملة “خيل الحكومة “؛ لنطلق عليه الرصاص في ساحة الإعدام النفسي والروحي والبدني .. والفني !

والأعجب والأغرب أنهم ساقوا ضمن هجومهم غير المحايد؛ إنها وقفت على المسرح من أجل الحصول على منحة بـ”الريال والدولار”؛ ولنا أن نفترض أن هذا هو الهدف والقصد؛ وهل كنتم تنتظرون أن تقف للتسول ــ من أجل معيشتها- على باب ” اللى يسوى واللي مايسواش” ؟ ..أو على باب “وزارة الشئون الاجتماعية ” للحصول على معاش شهري لايكفي لسداد ثمن “عشوة” في مطعم شعبي في رحاب سيدنا الحسين ؟!

 

و لتكن لنا إطلالة على سيرة ومسيرة حياة هذه الفنانة المحبوبة التي لُقِّبت بالعديد من الألقاب؛ وإن كنت ـ شخصيًا ـ أميل إلى لقب “الضوء المسموع” ؛ فهي ـ طبقًا للعديد من المصادر ــ بتصرف ـ ؛ تلك الفتاة الصغيرة الخجولة؛ صاحبة الحنجرة الذهبية؛ وكان صوتها يسلب العقول ويخلق حالة من السحر والدهشة .. فقد جاءت إلى الحياة بالقاهرة في 11 أغسطس من العام 1938 الطفلة ” نجاة محمد حسني البابا “؛ لأب سوري كان يعمل خطاطًا و يهوي الموسيقا وأم مصرية؛ وهي بالنشأة ولدت في أسرة فنية بالفطرة؛ فشقيقتها هي الفنانة السندريللا” سعاد حسنى”؛ وشقيقها الفنان عازف الكمان عز الدين حسنى؛ الذي كان يعمل في فرقة كوكب الشرق السيدة/ أم كلثوم؛ وقد ساعدها المناخ الفني الذى كان سائدًا داخل الأسرة على تنمية موهبتها الغنائية؛ فقد كان بيت أسرتها ملتقى للفنانين والصحافيين؛ واشتهر بيت والدها باسم ” بيت الفنانين ” ؛ وفي أركان هذا البيت الفني .. ترعرعت الموهبة الفنية ل”نجاة “منذ طفولتها عندما اكتشف والدها موهبتها وعذوبة صوتها فشجعها على الغناء؛ وأخذ يتردّد بها على المسارح ومتعهدي الحفلات؛ ثم قدمها للمرة الأولى في حفل وزارة المعارف عام 1944؛ ولم يكن عمرها تجاوز بعد السنوات الست؛ وأطلق عليها الكاتب الصحفي فكري أباظة لقب “الصغيرة”؛ وذلك عندما كتب عنها في بداية حياتها، وقال: “إنها نجاة الفتاة الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية حتى يشتد عودها ” .ولعل لقب ” الصغيرة ” أطلق عليها؛ من أجل تمييزها عن الفنانة الكبيرة “نجاة علي” التى كانت واسعة الشهرة في تلك الفترة .

وتقول سطور كتاب الحياة الفنية للمشاهير : إنه ” … حينما بلغت نجاة سن التاسعة عشر؛ كلف والدها شقيقها الأكبر عزالدين ليدربها على حفظ أغاني السيدة “أم كلثوم” لتؤديها فيما بعد؛ لتشدو للعديد من كبار ملحني مصر؛ أمثال سيد مكاوي/ حلمي بكر/ بليغ حمدي/ محمد الموجي؛ وكانت أقوى أغنياتها التي قام بوضع موسيقاها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب؛ الذي أهداها : أيظن و شكل تاني ولا تكذبي ؛ ويُعد تعاونها مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب؛ هو المحطة الأبرز في مشوارها الغنائي؛ ومن شدة إعجاب الفنان الكبير بصوتها ؛ أطلق عليها لقب ” قيثارة الشرق “! .

 

فقد التقت مع ألحان عبدالوهاب في العديد من الأعمال التي تنوعت ما بين القصيدة والأغاني الرومانسية كما شاركت في أهم أعماله الوطنية «وطني الأكبر»، و«الجيل الصاعد»، و«والله وعرفنا الحب»، وكان دائم الثناء على صوتها، وقد سُئل قبل رحيله في عام 1991 «من هو أجمل صوت بعد وفاة أم كلثوم؟»، فقال إنها «نجاة»، وسبق أن أطلق عليها «صاحبة السكون الصاخب”. وكانت نجاة من أكثر المطربات اللواتي خصهن عبدالوهاب بألحانه، بل إنها شدت بالعديد من أغنياته الخاصة، مثل «كل ده كان ليه» و«ساعة ما بشوفك جنبي»، ومما يدل على وفاء المطربة الرقيقة لأستاذها، أنها غنت بعد رحيله بعام واحد، أغنية «يا مسافر وحدك» تأليف الشاعر حسين السيد، وكأنها تلويحة وداع لشخص أثير لديها، وسبق أن غناها محمد عبدالوهاب في فيلم «ممنوع الحب» عام 1942، وقد قال عنها: «هذه الأغنية كانت مختلفة ومتطورة إلى درجة أنني أدخلت فيها الصاجات النحاسية”.

 

ولم يقتصر مشوارها الفني على الغناء والطرب ؛ فقد خاضت التجربة في عالم السينما؛ فقدمت أول أدوارها السينمائية في فيلم “هدية” عام 1947 للمخرج محمود ذو الفقار؛ لتقدم أبرز أعمالها السينمائية “الشموع السوداء”؛ و”سبعة أيام في الجنة”، و”شاطئ المرح”، و”ابنتي العزيزة” و”جفت الدموع”. الأمر الذي جعلها تحظى بالكثير من الوقوف على منصات التتويج والتكريم؛ ولعل التاريخ يذكر أنه تم تكريمها في تونس من الرئيس الحبيب بورقيبة؛ وأخر من الرئيس زين العابدين بن علي؛ ونالت إهداء من الملك حسين ملك الأردن في العام 1958 وسام الاستقلال من الدرجة الأولى؛ إضافة إلى وسام من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في الستينيات من القرن الماضي ؛ وهي الفترة التي أطلقنا عليها اسم ” زمن الفن الجميل ” !

.

وبعد تلك السيرة والمسيرة الطويلة في عالم الفن ؛ قررت اعتزالها للفن عام 2003؛ ولكن جذبها الحنين إلى أضواء عالم الفن مرة أخرى .. فعادت في بداية عام 2017؛ من خلال أغنية “كل الكلام” من كلمات عبد الرحمن الأبنودي ؛ بالرغم من حالتها الصحية غير المستقرة، إلا أنها أصرت على المشاركة في احتفالات قناة السويس الجديدة؛ من خلال إعادة تسجيل أغنية في عام 2015 هي أغنية “حلوة يا بلدنا.. جينا في ميعادنا” !

وأخيرًا .. ألا يحق لنا أن نقول للأقلام الحادة التي تناولتها بالنقد والتجريح .. ” رفقًا بالفنان الجاد في آخر مشوار حياته الفنية؛ حتى لانعود ونسكب الدموع والدم على فقدان كل من وهبوا حياتنا الأمل؛ ولينشد كل منا مع “نجاة الكبيرة” عُمرا وفنًا وأصالة :

شبَّاك الأمل وفتحتُه .. والدنيا جناين تحتُه !

التعليقات مغلقة.