Take a fresh look at your lifestyle.

#معرض القاهرة الدولي للكتاب..وعبقرية الطاهر مكي! ــــ بقلم_  د.إلهـــام سيـــف الدولـــة حمـــدان

أستاذ العلوم اللغوية والتأليف والكتابة الإبداعية بأكاديمية الفنون ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي الأسبق وعضو اتحاد كتاب مصر

298

قد لايعرف الكثيرون .. أن مواجهة الكاتب للورقة البيضاء .. في لحظة توهج فعل الكتابة في رأسه؛ مدى الحيرة التي تنتابه في المفاضلة بين الموضوعات التي تزدحم في مخيلته؛ وبخاصة عندما تكون الكتابة في وعن عالم النجوم ؛ ومعرفته بمزاج القاريء النَّهم لزيادة رصيد الثقافة المعرفية وارتفاع الذائقة الجمالية داخل روحه و وجدانه .

 

ولكن في أجواء الحدث الثقافي الذي يهيمن على سماء الساحة الثقافية المصرية الآن .. بفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب؛ اكتشفت بذائقتي الثقافية والعلمية والفنية؛ أن السماء المليئة بالنجوم؛ لاتقتصر على نجوم الفنون فقط في التمثيل والموسيقا والنحت والرسم؛ ولكنها تزدحم بالنجوم اللامعة في عوالم الثقافة وروافدها في الأدب والقصة والرواية والشعر والسير الذاتية للعمالقة من المشاهير الذين أثروا عالمنا العربي بالكثير من الملاحم الأدبية التي تضارع الإلياذة والأوديسا؛ وتفوق بفراسخ عن ملحمة جلجامش وأنكيدو في الحضارات السومرية والبابلية والآشورية !

 

ولن أكون في موقف الانحياز في اختياري لموضوع اليوم؛ ولكن الاختيار يأتي بدافع الأمانة العلمية والأكاديمية؛ للتعريف بكواكبنا التي تزين عوالم مجرات الأدب العربي الرصين؛ وهو الكتابة عن كوكب ــ وليس نجما فقط ــ في عالم الأدب العربي المليء بالذخائر الخالدة على مدى الدهر؛ ليكون لقائي معكم اليوم وفي إضاءة سريعة للحديث عن الراحل العظيم الأستاذ الدكتور/الطاهرمكي؛ وكتابي عنه – الذي أشرُف باصطفافه فوق أرفف معرض الكتاب الدولي بالقاهرة في دورته الخامسة والخمسين ــ وهو بعنوان : “عبقرية الطاهر مكي.. الراهب في محراب العلم”.

لقد كان هذا الراهب في محراب العلم؛ عاشقًا للأندلس لغةً وحضارةً والعارف بتاريخها؛ يدافع دائمًا وبثبات وثقة العالم الجليل المتمكِّن من دراساته ومصادره؛ وكانت أفكاره ترتكز على ضرورة التصدي لأكاذيب المستشرقين الذين يحاولون الإيحاء بأن دخول العرب إلى بلاد الأندلس .. كان احتلالاً ! ولكن هذا العملاق كان يعد أن هذا محض ادعاء كاذب؛ وكان يأسف أشد الأسف أن بعض العرب ـ جهلاً وانسياقًا ـ كانوا يساندون هذا الرأي لتأييد بعض المستشرقين؛ هؤلاء المستشرقين الذين يدعون إلى بث الفتنة بهذه الرؤية التي تعدم تقديم الوثائق والأدلة من سطور كتاب التاريخ ؛ بل أنه لم يترك إثبات هذه الوقائع بلا أدلة قاطعة؛ فهو يأتي بالدليل في قوله : “عند دخول العرب إلى بلاد الأندلس؛ لم يكن بها حكومة وطنية؛ بل كانت هناك حكومة من ( القوط ) الغربيين الذين نزحوا من ( ألمانيا ) ؛ وتبعية الأندلس للخلافة في دمشق دامت خمسين عامًا فقط ؛ بعدها استقل الأندلس عن العالم العربي تمامًا … “؛ وقام الأستاذ الدكتور/الطاهر مكي بالرد على من يقولون إن الخليفة كان عربيًا؛ فكان رده على تلك الادعاءات الكاذبة بقوله: ” إن ملك أسبانيا من أصول فرنسية؛ تمامًا كما كان ( محمد علي ) منشيء مصر الحديثة ألبانيًا؛ فخليفة الأندلس رغم أنه كان عربيًا .. لكن الدولة كانت مستقلة وكانت في خلاف مع العباسيين؛ وبالتالي لم تكن الأندلس مستعمرة عربية على الإطلاق؛ وهو الخطأ الشائع الذي يقع فيه كل من يتصدى للكتابة عن الأندلس تحت وهم مايسمي بالاحتلال العربي ..” . !

أرجو أن أكون قد أعطيت نبذة موجزة عن هذا العالم الجليل؛ للدلالة على عظمة “فعل القراءة والاطلاع” والفهم؛ في عالمنا المادي المعاصر؛ ويأتي حديثي في سياق تلك الاحتفالية الرائعة التي تزدان بها سماء القاهرة عاصمة الثقافة والفنون والآداب؛ وهي ” معرض القاهرة الدولي للكتاب” في دورته الخامسة والخمسين؛ فالقاهرة مذ ظهرت وأنارت بالثقافة الجادة خريطة العالم؛ كان لها كل الفخر والاعتزاز والتميز؛ بوجود صرح “مكتبة الإسكندرية” على شاطيء البحر الأبيض المتوسط ؛ ولتأخذ على عاتقها منذ نشأتها؛ العمل على تصدير الثقافة والمعرفة إلى الشاطيء الآخرــ لأنه :

” كان نهار الدنيا ماطلعش.. وهِنا عز النهار”

كما قال الشاعر المصري ــ ولكن تلك المكتبة العظيمة اغتالتها وأحرقتها أيادي البطش والغدر وأعداء الثقافة والعلم والتقدم والتنوير؛ فالقاهرة تحيا وتزدهر بقلوب ابنائها الشرفاء الأوفياء لتاريخها وترابها .. وهي التي استطاعت أن تنقل للعالم بأسره المعنى الحقيقي لأهمية القراءة والاطلاع والفهم والتطبيق؛ وقامت بالتنبيه الدائم بالتركيز على الأهمية القصوى للإلمام بكل جوانب المعرفة؛ من أجل اكتشاف وخلق الحلول الناجعة لكل المشكلات التي تواجه البشر في حياتنا المعاصرة؛ تلك الحياة التي باتت تخطو بخطوات واسعة في مجالات العلم والتكنولوجيا؛ وأخذت على عاتقها التذكير المستمر باتخاذ الخطوات الواجبة لتحقيق أقصي مايُمكن من الرفاهية التي تحتاجها المجتمعات البشرية في مختلف بقاع الأرض؛ فالإنسان .. هو الإنسان تحت عباءة أية جنسية .. ولون .. وعقيدة !

 

إنني أوجِّه الدعوة إلى كل شباب وشابات الوطن ورجالاته وسيداته الفضليات؛ إلى المسارعة باغتنام فرصة هذا الحدث الثقافي الكبير في أحضان القاهرة السيساوية الجديدة؛ ليملأوا ساحات وأروقة “معرض الكتاب”؛ والحرص على اقتناء “أمَّهات الكتب” التي تتحدث عن عظماء الوطن ونجومه من المشاهير؛ ولينهلوا من صفحات الكتب مايُشبع التطلعات المشروعة للمعرفة بالتاريخ والجغرافيا؛ ومكان ومكانة الوطن العزيز “مصر” أم العلوم والمعرفة والفلسفة الحياتية ؛ التي احتفظت بجمالها وكمالها وأمجادها على طول الدهر .. وستبقى بمشيئة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وتحيا مصـــــــــــــــــــــــــــــــر دائما وأبدا محرابا للعلم والعلماء ودارا للثقافة ،وقبلة للمثقفين من شتى أنحاء العالم يجوبونها سياحة فكرية ومكانية وسط حضارة تتسع لتضم كل الثقافات والحضارات تحت أجنحتها تحلق بهم وتصبغهم بصبغتها العريقة وتعلمهم مالايعلمون!

 

كل التهنئة لوزارة الثقافة على هذا الجهد الجهيد في تنظيم هذه الفعالية الثقافية والعرس السنوي الذي يتطلع إليه الجميع متنفسا ورئة متجددة لنشر كل أنواع المعارف والفنون والعلوم بأثمان في متناول معظم رواد المعرض.

التعليقات مغلقة.