src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-9531795408881375" crossorigin="anonymous">
Take a fresh look at your lifestyle.

صلاح السعدني فيلسوف الدراما المصرية ! ـــــ د,إلهـــام سيـــف الدولـــة حمـــدان

1٬184

 

.. وتأبى آخر زفزفات رياح الشتاء أن ترحل؛ إلا بعد أن تعصف بآخر وريقات أصحاب الفن الجميل من فوق أفنان شجرة الإبداع في مصرنا المحروسة؛ فلا أقول رحل الفنان القدير/صلاح السعدني بجسده عن دنيانا؛ بل رحل فيلسوف الإبداع في الدراما المصرية ــ كما وصفه النقاد ــ فهو الذي آمن بالفن ورسالته المجتمعية؛ وهو الذي استطاع أن يجسد الشخصيات التي يلعب أدوارها بكل فيوضات المشاعر الإنسانية الجياشة؛ ويعطي لكل شخصية أبعادها التي لم يستطع المؤلف نفسه أن يترجمها بكلماته في داخل “المتن” الروائي أو القصصي على الورق؛ فقد رحلت معه شخوصٌ أخرى كثيرة عميقة؛ تركت أصداءها في عقل وذهن وثقافة المتلقي المصري والعربي؛ فقد عاش بفنه المتفرد في أعماق وجدان الشعب العربي ؛ بحصيلة ماقدمه من أعمال فنية على المسرح والسينما والشاشة الفضية ؛ الشاشة التي أضاءت جدران المنزل المصري والعربي؛ وتركت بصماتها الإيجابية على كل من جلس في رحاب هذا الفنان الأصيل ؛ فأقول : رحل الولد الشقي “حسن أرابيسك” في مسلسل “أرابيسك”؛ و”العمدة سليمان غانم” في رائعة ملك الدراما الكاتب /أسامة انور عكاشة “ليالي الحلمية”؛ وهو “أبوعزة المغفل” في مسرحية “الملك هو الملك”؛ فقد قدم “السعدني” حوالي (35) مسرحية؛ تنوعت فيها الشخصيات التي يلعبها فوق خشبة المسرح كل مساء؛ فحملت الشخصيات كل تعبيرات السخرية المعجونة بالكوميديا التي تنبع من روحه وذاته؛ تلك الذات التي ترعرعت في أحضان الحارة المصرية؛ وتربيته في كنف أخيه الكاتب الساخر الولد الشقي ـ بحق وحقيق ـ الأستاذ الصحافي/محمود السعدني أبرز ظرفاء عصره؛ وآخر كتَّاب الكوميديا المعجونة بروح “ابن البلد” في قيعان حواري الجيزة والقاهرة !
لقد امتد الحب في كل قلوب طوائف الشعب المصري؛ وتم تجسيد هذا الحب العميق في النعي المؤثر الذي كتبه ـ راعي المركز الكاثوليكي للسينما ـ الأب “بطرس دانيال”؛ عن الفنان الراحل صلاح السعدني، حيث نشر عددًا من الصور التي جمعتهما سويًا فيما كتب عبر حسابه بموقع فيس بوك: “فقد الوسط الفني جوهرة خالدة وقيمة فنية نادرة لا تُعوّض ألا وهو الفنان المصري الأصيل والمبدع صلاح السعدني، لذا نطلب له الرحمة والمغفرة من الله والعزاء لذويه ومحبيه والوسط الفني “. إنها مصرنا المحروسة بنبض قلوب ابنائها الأوفياء الشرفاء؛ الذين يعرفون قدر الفن والفنون وتأثيرها في الوجدان المصري؛ باختلاف التوجهات العقائدية والسياسية .
وفي الحقيقة .. لم يأت هذا النضوج الفني للفنان الراحل اعتباطا؛ أو وليد الصدفة؛ فقد تفتحت عيونه ومداركه على ارهاصات ثورة يوليو ١٩٥٢؛ وهو يلامس العام العاشر من عمره ؛هذه الثورة التي آمنت بأهمية الفن في صياغة فكر وعقل الإنسان المصري؛ فعاش في كواليس المسرح – ومسرح التليفزيون على وجه الخصوص – وحفر مكانا لموهبته إلى جانب أساطين المسرح : عبد المنعم إبراهيم/عبد الرحمن أبو زهرة/توفيق الدقن/محمود الحديني/ عبد السلام محمد/محمد وفيق/شفيق نور الدين/سميحة أيوب/نعيمة وصفي/ملك الجمل/عمر الحريري/سهير المرشدي/كرم مطاوع .. لينشد مع المنشدين فوق خشبة المسرح؛ أبدع ماأنتجته قريحة الكتاب الكبار: ألفريد فرج.. سعد الدين وهبة .. نجيب محفوظ.. نعمان عاشور ؛ يوسف ادريس؛ أسامة أنور عكاشة؛ محفوظ عبد الرحمن…الخ كل هذه الكوكبة التي أثرت خشبة المسرح بالأعمال التي اخترقت آفاق العالمية؛ وصعد على خيوط ضوئها كل هذا الجيل العظيم من فناني المسرح والسينما والتليفزيون؛ وصولا إلى مجايلته ومزاملته محمود ياسين ونور الشريف ومحمود عبد العزيز وحسين فهمي .. وغيرهم من الفنانين المدعمين بالثقافة الثورية التي آمنت أولا وأخيرا برسالة الفنان في مجتمعه؛ وأثره في تغيير الواقع المُعاش؛ لايبغون من ورائه سوى نيل هدير تصفيق جمهور النظارة .. قبل أن تسدل الستار !
إنني حين أنعي هذا الفنان الراحل؛ فإنني لاأنعي ( فرد)؛ بل أنعي ” مدرسة” في فن الأداء الدرامي المبهر لكل من جلس على كرسي المسرح؛ أو أمام شاشة التليفزيون.لكن لاننسى أن المبدعون الحقيقيون لا يرحلون..بل يغيرون عناوينهم..فهم باقون في القلب والعقل والوجدان مهما مر الزمان فأصالة الموهبة وصدق العطاء مفتاح الخلود.

التعليقات مغلقة.