أناشيد البراءة !

قصة ل شاهر عاشور

لا يوجد ما يثير الفزع !! تفضل يا سيد عصام إن رينجو لديه حس نقى ويعرف أنك ضيف مرحب به ، كما إننى أثق فى مهارته فى الحكم على الأشخاص ! وكأنه فهم ما قاله سيده أرخى الكلب أذنيه وهبط مفترشاً بقوائمه الأمامية أرضية الحجرة . قالها رجل الأعمال بهجت القلعاوى بصوت عميق رزين وأشار لى كى أجلس أمامه وتناول علبة ذهبية قمة فى الإناقة حفر عليها أولى حروف أسمه بالإنجليزية بخط أنيق أخرج منها لفافتى تبغ وعرض علىّ واحدة فرفضت بتأدب معللاً توقفى عن التدخين فمط شفتيه معجباً ومثمناً . كان رجلاً فى العقد السادس من العمر وسيم القسمات خط الشيب فوديه ومقدمه رأسه ، شعره مصفف بعناية يرتدى حله أنيقة ولديه بنيان قوى لم تترك سنوات العمر بصمتها عليه بعد . حسناً ياسيد عصام لقد وقع إختيارى عليك دون العديد من الصحفيين المشهورين والأسماء اللامعة لإعجابى الشديد بقلمك وأسلوبك وبثقتى فى موهبتك الصحفية ، كى تكتب قصة كفاحى . أجبته بتأدب وإمتنان : إنه لشرف كبير يا سيدى وفرصة يلهث ورائها الكثيرون . من أين تود أن تبدأ ؟ تفضل وكلى أذان مصغية ! أسترخى فى مقعده عاقداً يديه فوق صدره شاردا يحملق فى سقف الحجرة ثم قال ساخراً : – منذ أن حاولوا سلبها منّى وأنا صغيراً . – ماذا تقصد يا سيدى ؟ فأجاب بسخرية مريرة : – البراءة ولا شئ سواها ! براءة الأطفال يا صديقى إنها الفطرة التى نولد بها لنفقدها تدريجياً مع مرور الوقت إنها الصفحة البيضاء التى تتفن مصاعب وهموم الحياة فى تلطيخها بالأحبار وربما تمزيقها كذلك إذا تطلب الأمر ، أنها النقطة البيضاء التى تظل فى أعماق أعماقنا مهما بلغ السواد مبلغه ! أو قطره المطر الطاهرة التى تسقط فى مستنقع الدنس ! – قصة كفاحى عن أناشيد البراءة يا صديقى … وبدأ بالسرد ..! ألقتنى أمى صغيراً أمام أحد أبواب ملاجئ الأيتام الشئ الذى لن أغفره لها ماحييت ، كان عمرى عامان ظللت هناك حتى أكملت عامى السابع ، لم تكن إقامتى بالملجأ ممتعة جداً على كل حال فلن تتخيل مارأيته من أهوال داخل هذه المؤسسة من زملائى من هم أكبر منّى وأقوى ومن المشرفين إنها غابة يا صديقى البقاء فيها للأقوى لن تتخيل كم الإعتداءات الجسدية والنفسية وحتى الجنسية أيضاً التى مررت بها من زملائى ومن المشرفين لمجرد أنهم يستطيعون !! وأحياناً كانو يفعلونها على سبيل كسر الملل والتسلية وتمضية الوقت أيضاَ !! كانت فكرة أن احصل على أبسط حقوقى فى وجبة كاملة أوحتى فى النوم الآمن ، نوع من الترف فوجبتى دائماً تنهب عنوة ولا أنال منها سوى الفتات وهذا إن كنت سعيد الحظ وأمكننى النيل بشئ أصلاً !! ونومى ماهو إلا غفوات يقطع سكونها ذئاب الليل ! ناهيك عن أسلوب ” كن جيداً ولا تقاوم حتى نعطيك الحلوى ” الذين كانوا يتبعونه ومايحمله ذلك من تلميح وتلويح كى أبيع نفسى وأتركهم يعبثون ببراءتى كما يشاءون دون مقاومة فى مقابل بعض لقيمات وقطع من الحلوى !!! كم من ليالٍ أمضيتها باكياً خائفاً منز وى على نفسى فى أحد الأركان !! ولمعجزة ما لم أستسلم لهذه المحاولات بل ظل الطفل البرئ بداخلى ينشد فى أعماقى أناشيد البراءة !! – كان يحكى متمالكاً نفسه إلى أبعد الحدود وكأنه لا يروى سوى ملحمة إنتصاراته لا قصة معاناته !
قطع أفكارى متابعاً !. حتى جاء الخلاص فى صورة أبوين بالتبنى قاماً بأخذى من الملجأ بعد إنهاء الأوراق والإجراءات الروتينية ، كان الأب فى الخمسين لكن شيخوخته البادية جعتله يبدو فى الثمانين من العمر وكانت الأم لم تتجاوز بعد عامها الأربعين ، لم يكن مظهرهم متوافقاً فقد كان منمقاً أرستقراطى الطباع أما هى فلم تفلح محاولاتها فى تصنع الرقى من إخفاء سوقيتها البادية !! ممتلئة القوام مائلة إلى البدانة غير متناسقة الأزياء تضع عطور دسمة خانقة طيلة الوقت ، لم يرزقهم الله بالأطفال بعد طوال فترة زواج طالت عشرة أعوم ! أنتقلت للعيش معهم فى فيلا من طابقين ذات حديقة فى المقطم فقد كان الأب ميسور الحال ، لم يعاملانى كأبنهم ولكنهم عاملانى حرفياً كطفل متبن إن كنت تفهم ما أعنيه ! وإن كان الأب يبدو أكثر حناناَ من الأم ، ولم يضايقنى ذلك على الإطلاق فبالنسبة لى كانوا ملائكة مقارنة بسابق عهدى فى ملجأ الأيتام كنت على إستعداد أن أصير خادمهم ليس فقط إبنهم المتبنى ! فى مقابل أن لا أعود لجحيم الملجأ ثانية ، كانوا دائمى الشجار طيلة الوقت وكنت أستمع إلى صوت شجارهم دائما وانا فى حديقة الفيلا أقراء كتبى المفضلة ، فبرغم شجارهم الدائم وأيضاً برغم كره الأم الظاهر لى فقد كنت أنعم بالسعادة كما لم أشعر من قبل ، كانوا يتشاجرون لأسباب عديدة أكثرها المال عرفت من شجارهم الدائم أن عدم الإنجاب كان لعلة عنده هو بينما هى كانت قادرة على الإنجاب ولكنها لم تطلب الطلاق طمعاً فى ثروته إيماناً منها أنه بلا أقارب وأنها وريثته الوحيدة ، فإكتفت بمعايرته وتوبيخه طيلة الوقت وكان يسكتها بأن يغدق عليها بالمال ، عرفت أيضاً بأنه كان صاحب فكرة التبنى وهو من أصر عليها وأرغمها على ذلك برغم رفضها الدائم ، كان يقتله الحنين لإبن يناديه بأبى حتى ولو لم يكن من صلبه ، كانت من طبقة أقل رقياً من طبقته وكان ذلك بادياً على سوقيتها فى التعامل ولم أأبه بذلك فحتى لو كانت تلتهم القطط أو تتحول لأحد المسوخ ليلاً فلن يقلقنى ذلك على الإطلاق فلقد سبق ورأيت ماهو أسواء ! وذات ليلة إستيقظت فزعاً على صوت صراخ مدوي أغتصب حرمة اليل وأستيقظ على أثرة الجيران ، كان مصدر الصوت هو غرفة نومهم هرعت بمنامتى لكى أرى ماذا حدث ، فرأيت أبى بالتبنى مستلقى على أرضية الحجرة فى بركة من الدماء ولا تزال الدماء تتدفق من عنقه فى أصرار !! بينما شخصت عينيه فى محجريهما وعلى وجهه أعتى آيات الفزع والذهول !! و كانت هى واقفة أمامى تصرخ وتنتحب فى إفتعال و تنظر إلى فى تحد وجشع وفى يدها شفرة حلاقة إنقضت علىّ وألقت بى أرضاً بداخل بركة الدماء التى أصبحت أكثر أتساعاً جراء تدفق الدماء المستمر ! ظللت أصرخ وأتلوى بدورى متململاً بداخلها حتى تلطخت تماماً بالدماء ، وصل إلى مسامعى صوت صفارة سيارات النجدة و صوت طرقات عنيفة على باب الفيلا ، قامت بمنتهى الثبات بإحداث جرح عميق بطول زراعها مستخدمة شفرة الحلاقة ثم أمسكتنى من شعرى بجشع ووضعتها فى يدى وهرعت تصرخ وتطلب النجدة فى إتجاه باب المنزل !! أقتحم رجال الشرطة والإسعاف فقامت بتصنع الصدمة العصبية أمامهم وهى تصرخ وتشير إلىّ ثم سقطت بين أيديهم فاقدة للوعى تباً يالها من بارعة !! وقاموا بإسعافها والقبض علىّ وأنا فى حالة ذهول تامة !! عرفت بعد ذلك أنها أتهمتنى بقتل الرجل ومحاولة قتلها وتفانت أمام أفراد التحقيق فى أظهار أننى تربية ملاجئ ومنذ أول يوم جيئ بي إلى منزلهم كانت تشك فى سلوكى وأشياء ومصوغات وأموال تختفى من المنزل وكيف أننى كنت غريب الأطوار وطفل غير طبيعى و نبت شيطانى أبن زنا وخطيئة ، ولا يحتاج الأمر لعبقرية حتى أستنتج أنها هى من قامت بإستدعاء الشرطة قبل أن تشرع فى إرتكاب جريمتها بوقت كاف حتى يبدو الأمر أمام الجميع أننى من فعلتها ، يا للشيطانة البارعة !!! وجهت لى نيابة الأحداث تهمة القتل العمد والشروع فى قتلها هى !! لتحظى هى بتركة الرجل وأحرم أنا من الحرية و من الميراث فطبقاً للقانون ” لا يرث القاتل شيئاً من تركة المقتول ” !! لينشد بذلك الطفل البرىء بداخلى نشيد براءةٍ جديد !! أودعت إحدى مؤسسات رعاية الأحداث [ الإصلاحية ] لأعود للجحيم من جديد ولكن هذه المرة بعث الله لى بمشرف يتقى الله حكيت له حكايتى فصدقها وتعهدنى بالرعاية وضمنى لأحد عنابر الإصلاحية يضم من هم مثلى من الأطفال الذين لا يزال يترنم بداخلهم أناشيد البراءة ! كان الحقد يلتهمنى إلتهاماً تجاه تلك المرأة التى تسببت فى ظلمى وأفساد حياتى بعدما ظننت أننى نلت الخلاص ولكم حلمت بأنى أذبحها بذات الشفرة التى ذبح بها ذلك الرجل الطيب الذى تبنانى وأعطانى أسمه ، ولكن مشرفى علمنى أن أتخلص من الحقد بداخلى فمشاعر الحقد لن تحرق أحد غيرى وأضع كل طاقتى فى البناء فقط وأن لا أفكر فى الإنتقام فالقدر بارع فى تصفية الحسابات فأستوعبت الدرس وتفانيت فى دراستى وأحترفت ممارسة الرياضه كان دائماً يشجعنى ويدعم الإنسانية بداخلى كان بالنسبة لى مثلاً أعلى وأباً حقيقاً . أمضيت باقى أعوام طفولتى ومراهقتى حتى جاء يوم خروجى من المؤسسة شاباً فى مقتبل العشرينات فإستدعانى مدير الإصلاحية ليخبرنى بأن تلك السيدة التى تسببت فى كل ماعانيته قد أصيبت بالسرطان ونهل منها المرض منهله طوال فترة عقوبتى فى المؤسسة ولم تفارقها آلامه المبرحة فقد هاجمها فى شتى مواضع جسدها ولم يفلح معه أية دواء ناهيك عن أن الآثار الجانبية للعلاج الكيميائى فى حد ذاتها من أعتى درجات العذاب وتوفيت مؤخراً على أثر المرض ، تذكرت كلمات أستاذى وأبى الروحى حينما قال أن القدر بارع فى تصفية الحسابات !! وأننى وإن كنت أعتبر سجنى فى هذه المؤسسة مصيبة أصابتنى إلا أننى قابلت فيها أفضل الناس وتعلمت الكثير بل وجعلت منى رجلاً صلباً قادراً على مواجهة تحديات الحياة !! رب ضارة نافعة ، أما هى فلم يسمح لها المنتقم الجبار بأن تنعم يوماً واحداً بمال حصلت عليه بإذهاق روح بريئة وظلم طفل برئ ، كم أن رحيم يا إلهي ، قطع أفكارى مدير المؤسسة حينما أستطرد مكملاً حديثة أنها أوصت قبل وفاتها بكل تركتها إليك !! وأن محاميها على وصول الأن لكى يصطحبك معه لكى تتسلم تركتك ! توقفت الكلمات فى حلقى وعجزت عن التعبير إجتاحتنى السعادة العارمة وأنهمرت على وجنتى دموع الفرحة ورفعت وجهى للسماء شاكراً الخالق القهار فدائماً كان الله معى فى محنتى وكان وحده من يسمع مايتردد فى أعماقى من أناشيد البراءة !!
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات