أخر الأخبارالمقالات

“سيموطيقا” الأسماء ترس ديناميكية الأحداث في مسلسل “جزيرة غمام”

تقديم _ شريف  شجاع لعل المُتابع للأعمال الفنية التي تعتمد على البطولة الجماعية كعنصر من عناصر التمثيل العادل, يرى انحصار المُتعة المشهدية في المباراة التي تقام بين الممثلين ليس إلا؛ حتى أن باقي المقومات الدرامية من وجهة نظرهم هي ملعب للنزال, ومهما كانت قوة هذه العناصر الدرامية من إخراج لنص لسينوغرافيا فأقصى ما قد يُقال عنها أنها أرض جيدة وخصبة للتباري فقط.. ونادرًا ما يظهر عنصر يكسر هذه القاعدة, كما حدث في “جزيرة غمام” للسينارست الكبير عبد الرحيم كمال, هذا المجتهد الذي صنع “ممثل موازي” لأبطال العمل, فظل هو هذا الممثل الحاضر داخل العمل طوال حلقاته, وإن أقررتُ بأنه وضع خطة للسيناريو المكتوب كخطوط عريضة يتم تفصيلها لاحقًا فأنا لا أخفي توقعي بأنه تمرد على هذا الوضع فأضاف أثناء التصوير لمسات أخرى تدعم حرية حركة الشخصيات على مستوى التصاعد الرأسي للأحداث, ولقد استطاع ببراعة أن يختار أسماء الشخصيات بصبغة دلالية تسوق التفاصيل داخل الحدوتة بصرف النظر عن معانيها المُعبرة عن طبيعة الشخصيات فـ “محارب” رجل الدين يحارب لتوصيل علمه الأجوف و “يسري” يستسهل كل التعاملات الحياتية من منظوره الديني اليسير, و “بطلان” أخذ محنى الباطل … إلخ حتى “عرفات” تلك الشخصية المحورية التي أعتقد أن المؤلف قد خلط سماته بها فصارت هي المُعبر الوحيد عنه داخل النص وهذا ما أشرت إليه سابقًا أن عبد الرحيم كمال كان في العمل ممثلًا موازيا, وقد شارك الممثل الجميل “أحمد أمين” أداء هذا الدور لكنهما اقتسما الأدوات فأخذ أحدهم القلم والآخر اللسان.. وظل “عبد الرحيم” يدعم قيم الحق والخير والجمال من منظور عرفات العارف, ولعل المُعادل الموضوعي لحركة الروح الخيرة داخل النص, هي الروح الشريرة والتي جسدها”خلدون” تلك الشخصية التي لا جذور لها ولا أرض ولا نسب، ودخلت الجزيرة لتملكها بكل حيلهًا من “محايلة وخداع وانتهاز فرص…إلخ” ولقد كانت جملة هذه الشخصية صريحة في الحلقة السابعة عشر حيث قال للعايقة “إحنا بنحب بعقلنا, بجسمنا إنما قلبنا ممنوع” وهذه آليات عمل الكيان الماسوني والصهيوني على مستوى الواقع, والهدف هو التقسيم للتربع على عرش الحكم, بمبدأ “فرّق تسُد” وتأكيدًا لتلك الرؤية يؤكد “عبد الرحيم كمال” بجملة قاسية المعنى على لسان “خلدون” للعايقة, ” شوفي الجزيرة كانت إيه قبل ما نيجي وبقيت إيه دلوقتي” هذا التصاعد الرأٍسي حدث في الحلقات التالية حيثُ تقسيم الجزيرة التي تعتبر الدلالة المباشرة للوطن العربي, والتي لم يحمها إلا ضمير الأنقياء, والمُخلصين, وعلى رأسهم “عرفات” الذي يحاول رأب الصدع فذهب للدير كي يحذر الكاهن من وجود شيطان يوسوس كي يفرق الجميع فلا ينصاع له. ظل “عرفات” طوال المسلسل شخصية مُسطحة وهذه هي عبقرية الكاتب والسينارست, أن يجعل جميع الشخصيات تدور في فلك الحالة النمائية, فيتطور الشر مع “خلدون” وتصل حالة الجفاء إلى أعلى مستوياتها مع “محارب” و “يسري” حتى “عجمي” يرتقي معه الوعي والخبرة في إدارة زمام الأمور, إلا “عرفات” فقد صارت شخصيته “مسطحة الأبعاد” بمعنى أنه منذ الحلقة الأولى وللآن يحمل نفس الصفات من “طيبة, سماحة, خشوع, صدق…إلخ” ولم تتغير منهم أي صفة للأسواء أو العكس..كذلك ثيابه, وحالته المزاجية, كلها كما هي وهذا ما أقصده بمعنى “مسطحة الأبعاد” أي لم تغيره الظروف بل تغيرت حوله الأحداث طبقًا لسماته, فظل “خلدون” يخطط لدحره ووأد وجوده ويطور من أدواته السوداوية؛ لكن “عرفات” ظل كما هو.. كذلك فعل الكاتب مع باقي الشخصيات, يطور من خطوطهم الدرامية ويصعد الحدث لذروته فتبدو كل الشخصيات “نمائية” تنمو طبقا لمعطيات الفكرة عدا “عرفات” الذي اكتفى “عبد الرحيم كمال” بأن ينوع المعلومة الوجدانية على لسانه فيقول للأولاد مثلا في تعليمه للصدق “الصدق: إنك تقول الحقيقة ف حاجة مش هينجيك منها غير الكدب” ليثب فكرة أن الصفة الحميدة يمكن أن نصفها بذلك وقت الأزمات الفعلية, العمل ممتع وميول الكاتب تبدو بصورة واضحة, حيث الترسيخ للمحبة والإيمان بالموعظة واللين وبساطة تعلم الدين, وللطواف حول هذا صنع المناظرة التي تمت بين (الاستفتاء القلبي) و (الفتوى العرجاء) حيث تخلو الأخيرة من مقومات الصدق لأن أربابها صدروا التنفيذ الغليظ قبل التوعية الرشيدة والمتزنة, فانتصر القلب لصدقه.. مسلسل رائع قدم فيه طارق لطفي أداءً مبهرًا هو وباقي الممثلين .. شكرًا لجميع فريق العمل وعلى رأسهم “عبد الرحيم كمال” مستقبل الدراما في مصر

مقالات ذات صلة

إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات