أخر الأخبارالمقالات

نجاح الهجوم المضاد الأوكراني هل هو بداية لتغير الموقف العسكري للواء د. سمير فرج

تساءل الجميع، في الفترة السابقة، عن مفاجأة الحرب الروسية الأوكرانية مؤخراً، بعد نجاح القوات الأوكرانية في شن الهجوم المضاد على القوات الروسية في شرق أوكرانيا، والاستيلاء على مدينة ازيوم، وحوالي 5000 كيلومتر مربع داخل المنطقة التي استولت عليها القوات الروسية من قبل داخل الأراضي الاوكرانية. وكانت القوات الروسية التي بدأت الهجوم على أوكرانيا يوم 24 فبراير الماضي، ونجحت خلال ستة أشهر في الاستيلاء على 20% من الأراضي الأوكرانية في الشرق، في اقليم دونباس. وفجأة مع دخول الشهر السابع من العمليات الروسية، قامت القوات الاوكرانية بهجوم مضاد ناجح ضد القوات الروسية، في دفاعاتها في اقليم دونباس. وهنا تساءل الجميع، كيف يحدث ذلك ضد القوة العسكرية الثانية عالمياً، وهو الجيش الروسي ضد القوات الأوكرانية، التي تحتل المركز 22 في التقييم العالمي. وكان الرد الأول، أن الدعم العسكري الذي تلقته أوكرانيا من الولايات المتحدة، ودول حلف الناتو، كان السبب الرئيسي وخاصة صواريخ هيمارس الأمريكية، التي وصل مداها إلى 70 – 80 كيلومتر. والحقيقة أن هذا الدعم العسكري يأتي في المرتبة الثالثة، لأن السبب الأول في نجاح القوات الأوكرانية في هزيمة القوات الروسية هو حجم وكمية المعلومات العسكرية التي قدمتها أجهزة الاستطلاع والاستخبارات الأمريكية، ودول حلف الناتو، وخاصةً تلك المعلومات الدقيقة التي وصلت من الأقمار الصناعية عن أوضاع القوات الروسية على الأرض، وحجم التجميع القتالي، وتمركز المدفعيات والاحتياطيات، ووسائل الدفاع الجوي، ونقاط القوة والضعف في الدفاعات الروسية. كل هذه المعلومات كانت بداية إعداد خطة الهجوم المضاد الأوكراني.
وطبقاً للفكر العسكري، أنه كلما كان المعلومات صحيحة ودقيقة؛ كلما كان القرار الهجومي، أو الخطة، سليمة وناجحة، حتى أن بعض المراقبين والمحللين خرج إلى أن من وضع خطة الهجوم المضاد الأوكراني هم القادة والعسكريين الأمريكيين. وأن القوات الأوكرانية هي التي نفذت الخطة. ذلك كان السبب الأول في نجاح الهجوم المضاد، أما السبب الثاني، فيعتقد البعض أن قوات النخبة من الجيش الروسي هي التي قامت بالهجوم بداية يوم 24 فبراير، وبعد تحقيق أهدافها، والاستيلاء على اقليم دونباس، قامت القيادة الروسية بسحب قوات النخبة من الخطوط الأمامية، وإعادتها للخلف لرفع كفاءتها القتالية، وهذا ما يحدث دائماً في كل الحروب، حتى لا تصاب القوات بما نسميه نحن، مرض الخنادق. وبوجود استمرار القوات المقاتلة في الخنادق فترة طويلة، وبالتالي تقل كفاءتها القتالية؛ لذلك فإن القوات الروسية المدافعة في هذه الاتجاهات، لم تكن من قوات النخبة الروسية. ولذلك جاءت المعلومات الأمريكية لتحديد أماكن تواجد القوات الروسية ذات الكفاءة الأقل. وبالتالي، هي أضعف الدفاعات الروسية.
أما السبب الثالث، فكان حجم، ونوعية الأسلحة الجديدة التي وصلت للقوات الأوكرانية من الجيش الأمريكي، وقوات حلف الشمال الأطلسي، وخاصةً كما ذكرت، صواريخ الهيمارس، التي حققت للقوات الأوكرانية كثافة نيرانية كبيرة، ساعدتها على تدمير الدفاعات الروسية.
أما السبب الرابع فكان الروح المعنوية للقوات الأوكرانية التي كانت تهدف لاستعادة أرضها وترابها، الذي فقدته، عكس القوات الروسية التي تحارب على أرض ليست أرضها ولا ترابها. وأعتقد أننا كمصريين نفهم ذلك تماماً عندما حاربنا في أكتوبر 73، فلقد كانت الروح المعنوية لنا عالية لأن هدفنا كان استعادة أرضنا، بعكس قوات الجيش الإسرائيلي التي كانت تدافع على أرض ليست أرضها، لذلك كان الدافع المعنوي لقواتنا عظيم، وهو نفس ما كان للقوات الاوكرانية وهي تنفذ هذا الهجوم المضاد.
وهنا يأتي السؤال الآخر، ماذا سيفعل بوتن أمام هذا النصر الأوكراني، رغم محدوديته، إلا أنه انتصار على ثاني قوة عسكرية في العالم. بل، أصبحت العسكرية الروسية في مأزق أمام الجميع. لذلك من المتوقع أن يقوم بوتن بتوجيه ضربة قوية جديدة ضد القوات الأوكرانية، في منطقة دونباس أيضاً، ويكون الهدف منها ليس استعادة أرض جديدة، بل تدمير القوات الأوكرانية التي نجحت في الهجوم المضاد، بغرض استعادة هيبة الجيش الروسي التي فقدها في بداية الشهر السابع من العمليات، وهنا نؤكد أن استراتيجية بوتن الجديدة في الحرب الروسية لم تعد زيادة الاستيلاء على أراضي أوكرانية جديدة، بل أن الاستراتيجية الروسية الجديدة هو شن حرب الغاز. حيث رفض بوتن أسعار الغاز التي وضعها الاتحاد الأوروبي، وقرر إيقاف تصدير الغاز إلى أوروبا، عبر خط نورد استريم1، الأمر الذي سيضع أووربا في موقف صعب في الشتاء البارد القادم. ويهدف بوتن إلى تفكيك دول الاتحاد الأوروبي، التي ما زالت تقف صامدة ضد روسيا. ولكن، عندما يأتي برد الشتاء ويكون هناك نقص في الغاز؛ سوف تثور شعوب هذه الدول ضد حكوماتها، وتطلب الابتعاد عن تأييد أوكرانيا.
ولعل المظاهرات التي بدأت في دولة التشيك، وفرنسا هذا الأسبوع، هي إنذار مبكر لهذه الحكومات قبل دخول الشتاء. وهناك من يرى أن احتمالات قيام بوتن بتوجيه ضربة نووية تكتيكية بقوة 10 كيلوجرام، أو ضربة غازات حربية، الأمر الذي حذر منه الرئيس الأمريكي جو بايدن الرئيس الروسي، الذي قال أن قيام روسيا بمثل هذا العمل، سينتج عنه عواقف وخيمة، وكرر كلامه إلى بوتن “لا تفعل.. لا تفعل”. ورد جو بايدن على سؤال من المذيع بشأن رد الولايات المتحدة إذا استخدمت روسيا سلاحاً كيماوياً، أو نووياً، فقال بايدن “بالطبع لن أخبرك، ولكنهم سوف يصبحون منبوذين في العالم أكثر من أي وقت مضى”.
لذلك سوف تبرز الأيام القادمة ماذا سيحدث خلال الفترة القادمة، خاصةً في ظل متغيرات كبيرة يشهدها العالم، انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وتجميد موقف المفاوضات النووية مع إيران، وإعادة انتخاب الرئيس الصيني لفترة رئاسية ثالثة، خاصةً في مرحلة التوتر الحالية بين الصين وتايوان، بعد زيارة نانسي بيلوسي رئيسة الكونجرس الامريكي إلى تايوان. ويأتي بعدها حالياً دور الوسيط الأمريكي في حل مشكلة الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، واستيلاء إسرائيل على المربع رقم 9 في المياه الاقليمية اللبنانية، واستخراج الغاز من حقل كاريش. وهل سيوافق حزب الله على المقترح الأمريكي.
عموماً، كل هذه الاحداث التي تدور حالياً في المنطقة والعالم، سوف تؤثر تأثيراً مباشراً على الاستقرار والسلام، ليس في المنطقة فقط، ولكن في العالم كله، الذي لا يأمل إلا أن تنال دول العالم الثالث حقها في القمح، والذرة، والزيت، والأسمدة، والاستقرار، والسلام.
إغلاق